صديق الحسيني القنوجي البخاري
12
فتح البيان في مقاصد القرآن
يثق بغيره فإن اللّه تعالى بيده الظفر والإعانة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يغالب حَكِيمٌ في كل أفعاله . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 11 إلى 12 ] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 ) إِذْ يُغَشِّيكُمُ الفاعل هو اللّه وفيه ثلاث قراءات سبعية يغشاكم كيلقاكم من غشيه : إذا أتاه وأصابه ، ويغشيكم من أغشاه أي أنزله بكم وأوقعه عليكم ، ويغشيكم من غشاه تغشيه غطاه ، وقيل الفاعل النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وهو النوم الخفيف والأكثر على الأول وهذه الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم اللّه بها عليهم ، وهي أنهم مع خوفهم من لقاء العدو والمهابة لجانبه ، سكن اللّه قلوبهم وأمنها حتى ناموا آمنين غير خائفين وكان هذا النوم في الليلة التي كان القتال في غدها . قيل وفي امتنان اللّه عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان . أحدهما : أنه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد . والثاني : أنه أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم ، وقيل إن النوم غشيهم في حال التقاء الصفين ، وقد مضى في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران . عن علي قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح ، قال مجاهد : أمنة منه أي أمنا من اللّه لكم من عدوكم أن يغلبكم . وقال قتادة : رحمة منه أمنة من العدو ، وعنه قال : النعاس في الرأس والنوم في القلب ، وعنه قال : كان النعاس أمنة من اللّه وكان النعاس نعاسين يوم بدر ويوم أحد ، وقال ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة من اللّه ، وفي الصلاة من الشيطان ، وقيل إن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة لأنه أمر خارق للعادة . وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً هذا المطر كان بعد النعاس وقيل قبله ، وحكى الزجاج أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه ، وبقي المؤمنون لا ماء لهم فأنزل اللّه المطر ليلة بدر . والذي في سيرة ابن إسحاق وغيره أن المؤمنين هم الذين سبقوا إلى ماء بدر وأنه منع قريشا من السبق إلى الماء مطر عظيم ، ولم يصب المسلمين منه إلا ما شد لهم دهس الوادي وأعانهم على المسير ، وقال مجاهد : المطر أنزله اللّه عليهم قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار والتبدت به الأرض وطابت به أنفسهم ، وتثبت به أقدامهم .